كتب أحمد طناني، في تقرير نشره موقع «نون بوست»، أن الشرق الأوسط لا يزال عالقًا في دوامة تصعيد بدأت في 7 أكتوبر 2023، فيما تقترب المنطقة حاليًا من نقطة تحول حاسمة بين مزيد من المواجهة واحتمال خفض التصعيد. ويقع في قلب حالة عدم اليقين المتنامية تباين واضح بين الحسابات السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويشير تقرير «نون بوست» إلى أن تزامن الضغوط الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل يضيف طبقة جديدة من التقلبات إلى المشهد، في ظل خضوع الرجلين لاختبارات سياسية قد ترسم مستقبل كل منهما داخليًا، بينما تتقاطع حساباتهما بصورة متزايدة مع مسار المنطقة، بدءًا من حربي غزة وما بعدهما، وصولًا إلى الأسئلة الأوسع المتعلقة بالاستقرار الإقليمي والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ويظهر الخلاف بصورة أكثر وضوحًا، إذ يسعى ترامب إلى تحقيق تقدم دبلوماسي وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية، بينما يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية مرتبطة ببقاء ائتلافه الحاكم والتداعيات السياسية لهجوم 7 أكتوبر.
وتثير هذه المعادلة سؤالًا محوريًا: هل يمكن أن يتعايش السعي إلى البقاء السياسي مع السعي إلى خفض التصعيد الإقليمي، أم ستواصل الحسابات المتعارضة دفع الشرق الأوسط في اتجاهين متناقضين؟
انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. اختبار حاسم لترامب
تُجرى انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في 3 نوفمبر 2026، منتصف الولاية الثانية لدونالد ترامب، وتُعامل هذه الانتخابات تقليديًا باعتبارها استفتاءً غير مباشر على أداء الرئيس، إذ يخسر حزب الرئيس عادةً مقاعد في الكونجرس عقابًا له على سياساته.
وتكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة، لأنها سترسم ملامح النصف الثاني من ولاية ترامب، فيما تعكس حساسية اللحظة هشاشة الأغلبية الجمهورية الحالية. ويمتلك الجمهوريون في مجلس النواب أغلبية ضئيلة للغاية، تُعد من أضيق الأغلبية المسجلة خلال عقود، ما يعني أن الديمقراطيين يحتاجون إلى مكاسب صافية محدودة لاستعادة السيطرة على المجلس.
وفي مجلس الشيوخ، يحتفظ الجمهوريون بأغلبية تبلغ 53 مقابل 47 للديمقراطيين، ما يعني أن الحزب الديمقراطي سيحتاج إلى مكسب صافٍ يقارب أربعة مقاعد، من دون خسارة أي من مقاعده الحالية، للسيطرة على المجلس. ويفسر هذا الفارق سبب اعتبار مجلس النواب الساحة الأكثر عرضة للانقلاب السياسي، في حين يظل مجلس الشيوخ الجائزة الأصعب.
ولا تعمل المؤشرات الحالية لمصلحة ترامب، إذ يقترب معدل تأييده من أدنى مستوياته خلال مسيرته السياسية. وأظهرت عدة استطلاعات أجريت في مطلع سبتمبر 2026 أن نسبة تأييده تراوحت بين 33 و38%، بينما بلغ صافي التأييد في المتوسطات المجمعة نحو سالب 20 نقطة.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى ترامب هو تراجع تأييده بين المستقلين إلى نحو 34%، وهي نسبة تقل عن المستوى الذي سبق الموجة الديمقراطية التي أطاحت بعشرات المقاعد في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018.
وترجح معظم نماذج التنبؤ السياسي استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب، بينما تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تقاربًا وتوازنًا، رغم إظهار بعض النماذج تقدمًا متزايدًا للديمقراطيين كلما طال أمد الأزمة الاقتصادية.
ويرتبط مصير ما تبقى من ولاية ترامب بمسارين محتملين. فإذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، سيدخل ترامب النصف الثاني من ولايته بهامش حركة أوسع، بما يتيح له تمرير أجندته التشريعية وترسيخ تعييناته والحد من أدوات الرقابة التي يمتلكها الكونغرس.
أما إذا خسر أحد المجلسين، فسيتغير المشهد بصورة جذرية، إذ ستتعطل أجندته التشريعية، وسيحصل الديمقراطيون على صلاحيات لجان التحقيق والاستدعاءات والرقابة على السلطة التنفيذية، فيما قد تعود احتمالات المساءلة إلى صدارة المشهد.
وفي كلتا الحالتين، يتحول السباق إلى نوفمبر إلى محاولة محمومة لتحقيق إنجازات ملموسة، خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث يؤثر السعي إلى كبح أسعار الطاقة وتحقيق الاستقرار الإقليمي بصورة مباشرة في مصالح الناخبين وشعورهم بالأمان.
انتخابات إسرائيل.. مستقبل نتنياهو والدولة على المحك
عندما حل الكنيست الإسرائيلي الخامس والعشرون نفسه في 17 يوليو، ودخلت إسرائيل حملة انتخابية تنتهي في 27 أكتوبر، تجاوز الأمر مجرد محطة انتخابية اعتيادية. فقد أكمل هذا الكنيست ولايته كاملة للمرة الأولى منذ عام 1988، رغم توقع كثيرين انهياره بعد 7 أكتوبر 2023، ليصبح واحدًا من سبعة كنيستات فقط، من أصل 25، أكملت ولايتها بالكامل.
ونجح نتنياهو في حماية حكومته من الحل المبكر، لكن الاختبار الأصعب ينتظره أمام صناديق الاقتراع. ولذلك توصف الانتخابات بأنها الأكثر حساسية في تاريخ الدولة، بينما تقدمها وسائل الإعلام العبرية باعتبارها تصويتًا على الديمقراطية نفسها، بعدما تحولت إلى استفتاء على أربعة ملفات متشابكة تعيد رسم طبيعة إسرائيل.
ويتمثل الملف الأول في العقيدة الأمنية بعد 7 أكتوبر، إذ تُجرى هذه الانتخابات للمرة الأولى بعد ذلك الزلزال السياسي والأمني والحروب التي تلته في غزة ولبنان وسوريا وإيران، ما يجعلها محاسبة على الأداء العسكري والسياسي للحكومة. ومع عرقلة نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية، تحولت الانتخابات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور إلى ساحة لمحاسبته على انهيار الاستراتيجية الأمنية والسياسية، وعلى البديل الذي يسعى إلى ترسيخه.
أما الملف الثاني فيتعلق بهوية الدولة وإعادة تشكيل مؤسساتها. ويسعى نتنياهو إلى استكمال مشروعه لتوسيع هيمنة السلطة التنفيذية وتعزيز سيطرة اليمين الصهيوني على الجهاز القضائي والأجهزة الأمنية، من خلال خطة «الإصلاح القضائي» وتعيين قادة الأجهزة الأمنية على أساس الولاء.
وفي هذا السياق، عيّن مستشاره العسكري رومان جوفمان رئيسًا للموساد، وديفيد زيني رئيسًا للشاباك بعد إقالة سلفه، وسط اعتراضات واتهامات بإعطاء الأولوية للولاء الشخصي على الكفاءة المهنية.
ويتمثل الملف الثالث في حماية نتنياهو من الملاحقة في قضايا الفساد ومن المساءلة عن إخفاقات 7 أكتوبر. وأفادت الصحافة الإسرائيلية بأن الشاباك، تحت قيادته الجديدة، ساعده في تجنب حضور جلسات محاكمته بدعوى وجود تهديد أمني، بينما قال الرئيس السابق للجهاز إن رفضه طلبًا مماثلًا كان أحد أسباب إقالته.
وبذلك، أصبح بقاء نتنياهو في منصب رئيس الوزراء حاجة وجودية بالنسبة إليه، لأن خسارة المنصب ستتركه عرضة لملاحقة القضاء ولجان التحقيق في آن واحد.
وفي المقابل، تخوض المعارضة معركة لإطاحته، ويوحد فصائلها هدف إنهاء حقبة أصبحت فيها الدولة تدور حول رجل واحد أكثر مما تستند إلى برنامج مشترك. وبرز غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش السابق ومؤسس حزب «يشَر»، منافسًا رئيسيًا لنتنياهو، متقدمًا على يائير لابيد ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان في معظم استطلاعات الرأي.
ويرتبط مصير هذه الملفات بالنظام الانتخابي وقدرة الكتل على تشكيل ائتلاف يضم 61 مقعدًا. ويعني نظام التمثيل النسبي ونسبة الحسم البالغة 3.25% أن تعثر حزب صغير قد يكون كافيًا لقلب التوازن بين المعسكرات، كما حدث في عام 2022 عندما فشل حزبا ميرتس وبلد في تجاوز نسبة الحسم، ما ساعد كتلة نتنياهو على حصد 64 مقعدًا وتشكيل الحكومة.
ولهذا تتكاثر التحالفات قبل الانتخابات، مع تركيز خاص على نسبة المشاركة بين الحريديم والعرب، في سباق متقارب للغاية لا تمنح استطلاعات الرأي خلاله أي كتلة ضمانًا واضحًا لتشكيل حكومة مستقرة.
وفي الخلفية يبرز احتمال لجوء نتنياهو، إذا اقتنع باحتمال خسارته، إلى تأجيل الانتخابات لدواعٍ أمنية أو إشعال جولة عسكرية قبل التصويت، وهي إمكانية حذر منها أفيغدور ليبرمان، وتزداد حساسيتها في ضوء التغييرات التي أجراها نتنياهو في قيادة الأجهزة الأمنية.
الشرق الأوسط في قلب الحسابات الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية
عندما علق جيمس كارفيل، كبير الاستراتيجيين في حملة بيل كلينتون عام 1992، لافتة في مقر الحملة تقول «إنه الاقتصاد، يا غبي»، كان يلخص عقيدة ترى الاقتصاد العامل الحاسم في الانتخابات الأمريكية، بينما تبقى السياسة الخارجية قضية ثانوية.
لكن هذه القاعدة لا تفسر الصورة كاملة، إذ تستقر في الأدبيات السياسية الأمريكية قاعدة أخرى مفادها أن الشرق الأوسط نادرًا ما يمنح رئيسًا الفوز في الانتخابات، لكنه قادر على توجيه ضربة إليه. وتتكامل القاعدتان، فالشرق الأوسط نادرًا ما يدخل صندوق الاقتراع باعتباره ملفًا في السياسة الخارجية يهتم به الناخبون لذاته، لكنه يصبح عاملًا رئيسيًا من خلال كلفته الداخلية.
وتكرر هذا النمط في محطات عدة من التاريخ الأمريكي الحديث. ففي انتخابات عام 1948، سارع الرئيس هاري ترومان إلى الاعتراف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها، متجاوزًا تحذيرات وزارة الخارجية، في خطوة ارتبطت بحسابات تتعلق بالناخبين والمانحين اليهود في ولايات حاسمة مثل نيويورك. ثم فاجأ ترومان الجميع بفوزه، رغم استطلاعات الرأي التي توقعت هزيمته بثقة، إلى درجة أن عنوان «ديوي يهزم ترومان» الخاطئ أصبح رمزًا لتلك الانتخابات.
وفي مثال آخر، تحولت كلفة المستنقع العراقي والخسائر العسكرية إلى زلزال انتخابي في انتخابات التجديد النصفي لعام 2006، عندما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس من الجمهوريين.
وقبل انتخابات 2022، خفض تحالف «أوبك+» الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا رغم طلب إدارة بايدن تأجيل القرار شهرًا، إلى ما بعد التصويت، في مثال واضح على إدراك المنتجين أن توقيت القرار قد لا يقل أهمية عن مضمونه، في خطوة سعودية استهدفت توجيه ضربة سياسية إلى الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض.
وتكشف هذه السوابق عن نقطة ضعف هيكلية في النظام السياسي الأمريكي تدركها العواصم الإقليمية وأسواق الطاقة منذ فترة طويلة، وهي أن استغلال لحظة انتخابية حاسمة قد يترك أثرًا يعادل أثر القرار نفسه، بما يحول توقيت أي خطوة إقليمية إلى وسيلة ضغط غير مباشرة على البيت الأبيض.
ويؤثر الشرق الأوسط في السياسة الداخلية الأمريكية عبر ثلاثة مسارات رئيسية، أبرزها أسعار الطاقة والتضخم، إذ يمكن أن تؤدي اضطرابات الملاحة أو إمدادات الطاقة إلى رفع تكاليف المعيشة سريعًا، ومنح المعارضة ذخيرة سياسية. كما تؤثر كلفة الانخراط العسكري البشرية والمالية في الموقف الداخلي، إذ قد تعيد إلى الواجهة مخاوف الأمريكيين من حرب لا تنتهي.
ويضاف إلى ذلك الانقسام الأيديولوجي داخل الحزبين، بين التقدميين الشباب والمؤسسة الديمقراطية من جهة، وبين دعاة تقليص الانخراط الخارجي والصقور في السياسة الخارجية داخل الحزب الجمهوري من جهة أخرى.
ونقلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، المستمرة منذ أواخر فبراير 2026، الشرق الأوسط من خانة التأثير العرضي إلى عامل مهيمن في المزاج الانتخابي، بعدما فتحت المسارات الثلاثة دفعة واحدة، وأثارت انقسامًا حادًا داخل قاعدة ترامب نفسه، حيث يرى كثير من أنصار تيار «ماغا» أن الحرب تمثل تراجعًا عن وعده بالابتعاد عن الحروب الخارجية والتركيز على الشؤون الداخلية.
وأظهرت استطلاعات «رويترز/إبسوس» هذا المزاج، إذ تراوحت نسبة تأييد الحرب بين 31 و33%، مقابل معارضة بلغت نحو 63%. وفي المقابل، أيد أمريكي واحد من كل أربعة الضربات التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني.
وفي مؤشر إضافي على حضور الحسابات الانتخابية، ذكرت «رويترز» في 2 سبتمبر 2026، نقلًا عن أربعة مصادر مطلعة، أن كبار مستشاري ترامب، ومن بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، يضغطون لإبقاء الحرب مع إيران «هادئة» حتى يوم الانتخابات، عبر الانتقال من الضغط العسكري إلى الضغط الاقتصادي للحد من خسائر الجمهوريين. ولخص مسؤول في البيت الأبيض المعادلة قائلًا إن الإدارة تواصل الضغط على إيران، «لكن نوفمبر هو الأولوية».
لكن هذا الهدوء يظل هشًا، إذ أشارت باربرا ليف إلى أنه لا يمكن وصفه بالهدوء الحقيقي ما دام الهدف يتمثل في زيادة الضغط الاقتصادي على طهران، بما يمنحها حوافز لتعطيل هذه الجهود وإشعال المواجهة مجددًا.
وتصبح المعادلة أكثر حساسية في الولايات المتأرجحة. ففي ميشيغان، حيث توجد كتلة عربية ومسلمة كبيرة، أصبح الموقف من حربي غزة وإيران عاملًا مؤثرًا في المشاركة أو الامتناع العقابي عن التصويت داخل قاعدة ديمقراطية تقليدية، كما ساهم في صعود مرشحين تقدميين.
وعلى الجانب الآخر، تضرب الزيادات في أسعار الوقود الناخبين من الطبقة العاملة في ولايات «حزام الصدأ» مثل بنسلفانيا وأوهايو. وكان يمكن للجمهوريين استثمار الغضب الاقتصادي الناتج عن ذلك، لولا أن الرئيس المتورط في الحرب هذه المرة ينتمي إلى حزبهم نفسه.
توافق أمني إسرائيلي وخلافات تكتيكية حول نتنياهو
اللافت في المشهد الإسرائيلي أن قضايا السياسة الخارجية، ولا سيما الملفات المرتبطة بالفلسطينيين ولبنان وسوريا وإيران، لا تشكل نقطة الفصل بين معسكر نتنياهو والمعارضة، بل تكاد تكون محل إجماع بين مختلف الاتجاهات. وتدور المعركة الانتخابية الحقيقية حول قضايا داخلية مثل القضاء، ولجنة التحقيق في أحداث 7 أكتوبر، وتجنيد الحريديم، وتحديد مدة ولاية رئيس الوزراء، بينما تتراجع الخلافات حول الملف الفلسطيني أو تُدار بحذر متعمد.
وفي ملف إعادة توطين الفلسطينيين في غزة، يؤيد معظم أحزاب ائتلاف نتنياهو الفكرة علنًا، رغم تعارضها مع التزامات حكومته تجاه الولايات المتحدة بموجب خطة ترامب. وفي الوقت نفسه، نادرًا ما ينتقد نتنياهو الفكرة، بينما تتجنب معظم أحزاب المعارضة إعلان رفضها صراحة، مفضلة الصمت بعدما اتجه المزاج الإسرائيلي أكثر نحو اليمين عقب 7 أكتوبر.
أما ضم الضفة الغربية ورفض إقامة دولة فلسطينية، فيكاد يحظى بإجماع كامل بين المعسكرين، حتى مع اختلاف الأساليب. وتدعم الغالبية الساحقة خطط الاستيطان ولا ترى قيام دولة فلسطينية خيارًا واقعيًا، والاستثناء الوحيد يتمثل في تحالف «الديمقراطيين» اليساري بقيادة يائير غولان، الذي يعارض الخطط في الضفة الغربية ويتمسك بحل الدولتين. وفي جميع الأحوال، أصبح ما جرى على الأرض في الضفة الغربية أكثر صعوبة في التراجع عنه حتى مع تغير الحكومة.
وتحظى المواجهة مع إيران بأوسع قدر من التوافق، إذ يتفق الطيف السياسي الإسرائيلي بأكمله على ضرورة مواجهة طهران، ولم يعترض أي طرف على الحرب التي شنت في 28 فبراير 2026. لكن المعارضة وجدت مساحة للمناورة في مرحلة ما بعد الحرب، معتبرة التحركات الأمريكية المنفردة، بدءًا من وقف إطلاق النار ووصولًا إلى التفاهمات مع طهران والحصار ثم عودة الاشتباكات المتذبذبة، دليلًا على فشل نتنياهو في إدارة الملف الإيراني، وليس خلافًا معه بشأن مبدأ المواجهة نفسه.
وفي مواجهة ذلك، يوظف نتنياهو حتى الخلاف المفترض مع ترامب ليقدم نفسه باعتباره «رجل السياسة الخارجية والأمن»، القادر على قول «لا» للولايات المتحدة وتقديم احتياجاته السياسية على ما تريده الحليفة الكبرى وإدارتها في البيت الأبيض. لكن الواقع يشير إلى أن ترامب لم يقرر ممارسة ضغط جدي عليه، مكتفيًا بالتلميح إلى إمكانية «دعم مرشح في الانتخابات الإسرائيلية»، مع التأكيد على أنه لا يزال يفضل عدم التدخل.
بين التصعيد والتهدئة.. مصالح ترامب ونتنياهو تحدد المسار
في النهاية، لا تحدد حسابات المنطقة وحدها موقف أي من الرجلين من التصعيد أو التهدئة، وإنما تحدده المصالح والمستقبل السياسي لكل منهما. وهكذا يتحول مستقبل الشرق الأوسط إلى متغير داخل معادلة انتخابية تُدار من تل أبيب وواشنطن، من دون أن تحظى مواقف العواصم الإقليمية بوزن حقيقي.
وبالنسبة إلى نتنياهو، يمثل استمرار التصعيد المسار الأمثل، لأنه يوفر أداة لاستثمار الحرب وسفك الدماء في الدعاية الانتخابية الموجهة إلى قاعدة يمينية متطرفة ازدادت تشددًا منذ 7 أكتوبر، كما يوفر ذريعة لتجنب المحاسبة على إخفاقات ذلك اليوم. وما دامت المدافع تدوي، تبقى مناقشة الفشل والفساد ولجان التحقيق مؤجلة، ويظل نتنياهو «قائد الحرب» الذي يصعب استبداله أثناء احتدامها.
أما ترامب، فيتعامل مع المعادلة من زاويتين؛ تتمثل الأولى في البحث عن إنجازات تثبت نجاح مشروع «مجلس السلام» الذي يطرحه وتؤكد امتلاكه سياسة خارجية جادة، بينما تتمثل الثانية في محاولة خفض سعر برميل النفط بصورة تنعكس إيجابًا على جيوب الناخبين.
ويدرك ترامب أن استمرار الحرب يبقي أسعار الطاقة مرتفعة ويضغط على معدلات تأييده، وهو ما يفسر محاولات مستشاريه تهدئة الجبهة حتى تمر الانتخابات.
لكن رسالته إلى الناخبين أصبحت أقرب إلى المناورة منها إلى تقديم حلول حقيقية، بدءًا من وعده النقدي المتكرر الذي لم يتحقق، والذي بدأ بالحديث عن «توزيع» 2000 دولار على الأمريكيين، ثم رفع الرقم إلى 5000 دولار، وربطه أخيرًا بفوز حزبه بالسيطرة على الكونغرس، وصولًا إلى وعود بانخفاض «تاريخي» في أسعار النفط، ثم تبرير ارتفاع أسعار الوقود باعتباره ثمنًا ضروريًا لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. وتبدو هذه الوعود جميعًا محاولات لإعادة صياغة تكلفة اقتصادية يشعر بها الناخبون يوميًا.
وفي الوقت نفسه، يتحدث ترامب عن الحرب في غزة وكأنها انتهت وأن الإبادة توقفت، مكررًا أن «لا أحد يتحدث عن غزة بعد الآن». لكن غزة ودماء أهلها، مثل دماء شعوب المنطقة بأكملها، تظل معلقة بحسابات الانتخابات ومصالح المرشحين.
https://www.noonpost.com/en/384257/amp/

